
المدن الغارقة بفعل السيل هى نهاية الرحلة، التى تبدأ من الجبل، ثم تنطلق بكل قوتها عبر الوديان فى جنوب سيناء، تأخذ من تأخذ وتدمر ما تستطيع بسهولة شديدة، المدن الغارقة هى المحطة الأخيرة لقوة مدمرة لحياة الأهالى والاستثمارات السياحة وفرص التقدم فى جنوب سيناء.
قطعت رحلة السيل بشكل عكسى، خرجت إلى وديانه وأماكن صرفه، فحصت شبكة الصرف المخصصة لذلك فى طريقنا إلى «شرم الشيخ»، حيث قال سكان «أبو صويرة» من قبل إن محافظة جنوب سيناء اهتمت بشرم الشيخ أكثر من مدينتهم الصغيرة، لأنها مدينة الرئيس والمؤتمرات.
فى الطريق إلى «شرم الشيخ» تبدو الصورة النمطية للمدينة بفعل أقوال سكان «أبوصويرة» و«رأس سدر» و«الطور»، نتخيل أثناء الرحلة أن سيارات شفط المياه أدت عملها فى الساعة التالية للسيل وأن المدينة أصبحت، كما كانت قبل السيل، وأن السياحة لم تتأثر فى تلك المدينة.
فى الطريق إلى «شرم الشيخ»، الذى يبعد عن «أبوصويرة» ٣٠٠ كيلو متر، تبددت تلك الأفكار الوردية، لأن السياحة لم تكن على ما يرام، القرى السياحية عانت من السيل وكذلك باعة البزارات الصغيرة والعمالة التى تركت موطنها الأصلى للبحث عن لقمة عمل، والأسوأ من ذلك أن السيل ضرب بالفعل الطريق السريع، وحال بيننا وبين مدينة «الرئيس».
فى الليلة الثانية بعد سيل «أبو صويرة»، ضرب السيل الطريق بين تلك القرية ومدينة «شرم الشيخ» وبالتحديد قبيل قرية «أبو زنيمة»، ورغم أن السيل كان متوسط القوة، إلا أن الأمن الذى قطع الطريق قبل السيل لم يتكون سوى من عسكرى وحيد يرتدى «آيس كاب» و«ترينج»، يوقف السيارات ويخبرهم بأمر السيل، ثم يترك الأمر لهم اختياريا لإكمال الطريق أو العودة.
تمر السيارة من كمين العسكرى الواحد وتجد أن مياه السيل قطعت الطريق بعرض ٣ كيلومترات، وأن ارتفاع المياه يتجاوز إطارات السيارات الملاكى، فى الاتجاه المقابل تتحرك سيارة نصف نقل وتنجرف قليلا بفعل السيل، لكنها تعاود المضى فى طريقها، نسأل سائقها عن وجود أكمنة فى الجهة المقابلة فيجيب سائقها بالنفى، وبعبورنا للطريق يتبين أنه بلا مصدات خرسانية على جانبيه، برغم معرفة المحافظة بأن هذه المنطقة وادٍ لصرف السيل.
فى صباح اليوم التالى نعود إلى نفس المنطقة لنتفقد الوادى الذى تحولت تربته إلى طينة شديدة الوعورة، أسفل الطريق السريع يوجد ماسورتان لصرف السيل، يتسع قطر كل منهما متر ونصف المتر ولا تتناسبان مع كمية السيل المندفعة عبر الوادى.
ويمكن اكتشاف ذلك بسهولة من النظر إلى اتساع الوادى مقارنة باتساعهما، هنا ليلة أمس تعطل عدد من السيارات، بعد أن ارتفع السيل على الطريق فى أواخر ساعات الليل لمسافة ٤ أمتار تقريبا ـ على حد وصف شهود العيان ـ وبداخل أحد الماسورتين الممتدتين أسفل الطريق السريع، تظهر الكثير من الشوائب التى انجرفت بفعل السيل، فسدت أجزاءه.
ويتدلى سلك كهربى لم يتضح مصدره، وتتحرك بعض الزواحف التى تقترب فى شكلها من السحالى.
فى شرم لم يظهر الوضع كما يحكيه أبناء «أبو صويرة»، يصفونها بأنها «مدينة الريس»، تظهر بعض آثار المياه فى الشوارع الرئيسية، وعربات شفط المياه لاتزال تؤدى أعمالها، وبعيدا عن الشوارع الرئيسية يظهر الوجه الحقيقى لما فعله السيل بشرم الشيخ، يقول أشرف سليمان، مدير إحدى القرى السياحية: «غالبا ما يهتم الإعلام بأضرار السيل على القرى، لكنهم لا ينظرون إلى حجم الخسائر الاقتصادية التى يسببها السيل للسياحة فى مصر،
وما حدث فعليا فى شرم لم يكن اندفاع سيل بقدر ما كانت أمطار كثيفة، فيوم الأمطار حدثنى أحد الأصدقاء أن أتخذ احتياطاتى لأنه قرأ على الإنترنت عن وجود أمطار كثيفة جدا، أى أن الأمر لم يكن فجائياً، وبرغم ذلك لم تنبهنا المحافظة ولم تتعامل مع الأمر بشكل استباقى، عانت القرى السياحية هنا من غرق الشوارع وانسداد الصرف وانقطاع الكهرباء لمدة يوم تقريبا، برغم أن أحدا من المسؤولين لو نبه القرى السياحية لاستعدت بمولدات كهرباء وقامت بشراء جاز لازم لتلك المولدات، إلى جانب أن انقطاع الكهرباء يؤدى إلى انقطاع المياه بالتبعية»
ويصف سليمان وضع السياح فى تلك الساعات فيقول: «السياح تعاملوا مع انقطاع الكهرباء بشىء من التقبل فى ساعات الليل الأولى، لكن بظهور ضوء الشمس بدأوا فى الامتعاض، لأن الأمر أخذ وقتاً أكثر من اللازم، وأذكر أننى كنت فى إندونسيا منذ عدة سنوات وحدث أمر مماثل وكانت الأمطار أشد لكن المدينة هناك مصممة لاستيعاب السيول والأمطار، على عكس شرم الشيخ التى تبدو مبهرة فقط فى فنادقها ولكنها لا تمتلك بنية أساسية تحتمل ذلك».
فى خليج نعمة بدأ الأمر أسوأ بسبب الطبيعة الجغرافية وانخفاض الأرض مقارنة بباقى مدينة شرم الشيخ، واعتماد عدد كبير من العمالة الموسمية عليه كمصدر للرزق، أمام أحد مداخل الشواطئ يجلس محمد إسماعيل يقرأ فى سورة الأنفال، محمد قدم من بلدته فى القليوبية لأكل العيش، عايش ساعات السيل الأولى.
وقال: «فضلت زى ما أنا بقرا القرآن، لكن الفرق إنى قعدت أدعى، دعيت ربنا كتير إنه يتوب علينا من «شرم الشيخ»، لأنها جهنم على الأرض، أصل أنا أساسا جاى هنا مضطر عشان أكوِّن حاجة أعرف أتجوز بيها». أمام محل الإكسسوارات يقف وائل جمعة، القادم من أحد قرى الصعيد، يعيد رص اكسسواراته فى الفاترينة، يقول دون أن نسأله: «على فكرة أنا كمان حضرت السيل، لأنى شغال فى المحل ده الصبح وببات فيه بليل، ولأن منسوب المحل منخفض، فالمياه وصلت فيه إلى ركبتى، وقعدت يوماً كاملاً أكسحها من المحل، يوميها ملقتش مكان أبات فيه، لأن أغلب أسقف الكافيهات خشب وقش،
وبالتالى وقعوا مع أول نص ساعة من المطر والسيل، يوميها قضيت ليلتى فوق سطح أحد المطاعم، كان فيه أوضة صيانة فوق المطعم وقضيت ليلتى فيها أنا وناس كتير». محمد عبدالمجيد، مدير أحد الفنادق فى خليج نعمة، يرى أن العيب ليس فى السيل، يقول: «ما هو مش معقول بلد الريس تغرق كلها لما ماسورة تتسد، البلد دى مفيهاش صرف صحى، لو ماسورة حصل فيها حاجة فى أول الممشى، خليج نعمة كل بيتقفل، السياح بقوا يصوروا الحاجات دى أكتر ما يصوروا نفسهم فى البلد».
أمام دكانه يمسك فرج صابر شديد، القادم من سوهاج، بقطع قرميد كبيرة يقوم بوضعها على الأرض ويبدأ فى وضع بضاعته عليها، المياه أتلفت أجولة الشطة والكركدية والمرمية، يقول إنه ظل يكسح الماء بنفسه ويكمل: «أصل محدش فى البلد بيهتم بأبعد من الشارع الرئيسى».
وائل جمال، بائع الجرائد، يتحرك بطول المشاية ويحاول أن يبيع جرائده بأعلى من سعرها الأصلى للسياح، ينادى بالعربية والانجليزية والفرنسية، ينجح أحيانا ويفشل أحيانا أخرى، عندما ينتهى من عمله يعود إلى حى النور، حيث يعيش كل العمال، فى يوم السيل واليوم التالى لم يستطع بيع جرائد بـ ١٠ جنيهات لسببين: أولهما هو المياه التى وصلت إلى كعبى قدمه، أما الثانى هو تأخر الجرائد يومها، لأن الطريق السريع تم إغلاقه بفعل السيل، يقول: «أنا أساسا كل يوم ببقى مستنى أبيع ٧ أو ٨ نسخ من الجرايد والمجلات، سياح الشاطئ مبيقروش، ما بالك بقى والسياح منزلوش بسبب المية، ولما ينزلوا الجرايد توصلنى متأخرة ساعات».
فوق أعلى قمة بهضبة يعبر مروان محمد، طالب فى الصف الرابع الابتدائى وأصدقاؤه، سوراً شائكاً ليشاهدوا منظر المدينة التى يعشقونها، مروان عاصر السيل، سأل والدته عن البرق والرعد ولم يدرك سبب حدوثهما، حتى المدرسة التى يتردد عليها فى المدينة لم تجبه عن سؤاله، ويقول: «أصل أنا تانى يوم كان عندى امتحان، صحيح المدرسة كانت غرقانة والدكك كانت مبلولة شوية، لكن مش مهم، المهم إنى بعد المدرسة باجى أتفرج على البلد من فوق، أصلها من فوق الهضبة حلوة.
«شرم الشيخ» ليست المدينة الوحيدة التى تأثرت بالسيل، فـ«دهب»، التى تبعد عن «شرم الشيخ» ساعتين تقريبا، تأثرت أيضا، ضربتها الأمطار فى نفس الوقت الذى ضربت فيه «شرم الشيخ».
الشيخ فرج موسى من قبيلة المزينة وشهرته العفيطى أحد مشايخ مدينة «دهب»، تمت تسميته «العفيطى»، لأنه اشتهر بحلاوة الصوت هو وجده، يقول: «الأمطار دى مجتش دهب من سنة ٧٩، أصل المثل البدوى بيقول (فى ناس انطوح وفى ناس فلوح)، والمحافظ الجديد ينطبق عليه المثل ده، والمثل ده معناه إن فيه ناس وشها وحش وناس وشها حلو»، يصمت لثوان ثم يستدرك: «بس المحافظ أكيد وشه حلو، لأن المطر معناه خير».
ويكمل «فيه أكتر من ٧ فنادق فى مجرى السيل، أصل دهب فيها واديان يعتبران مجريين للسيل، هما وادى نبق ووادى مصبط، وأغلب الفنادق اللى بنت فى مجرى السيل فنادق عالمية ومهددة بالغرق زى ما حصل من عشرين سنة مع أحد الفنادق، لكن العرب ملهمش فنادق أو منتجعات فى مجرى السيل»، ويعلل ذلك قائلا: «العربى بيبقى عارف مجرى السيل، عمره ما يشترى من المحافظة أرض فى مجرى السيل زى ما بتعمل مع المستثمرين الكبار».أما محمد سالم، رئيس محميات سيناء.
فيقول: «كان هناك مشروع مشترك بين الحكومة المصرية والاتحاد الأوروبى لتغيير وترويض مجرى السيل فى دهب، ورغم أنه ممول من الاتحاد الأوروبى إلا أن المشروع توقف، لأن الخط الهندسى للمشروع كان يمر ببعض القرى السياحية والفنادق التى قدمت اعتراضات للاتحاد الأوروبى والحكومة، لأنها لم توافق على نزع ملكيتها، فتوقف المشروع وبقى وضع المنشآت السياحية على ما هو عليه». يبقى الوضع على ما هو عليه فى دهب وشرم الشيخ، بينما نتجه صعودا حيث توجد أعلى قمم جنوب سيناء للبحث عن مصدر السيول، النقطة الأولى التى تبدأ منها رحلة الفرق للملايين
وجوه فى مواجهة السيل
يبتسم وهو يمسك طباشورة ملونة، يرحب بالسياح ويدعوهم لتناول مشروب داخل البار الذى يعمل فيه فى خليج نعمة، والذى ينخفض عن الأرض نحو ٤ أمتار.
يكتب على السبورة السوداء مواعيد مباريات الدورى الأوروبى ليشجع السياح على مشاهدتها.
«محمد حسنى» الذى يشابه اسمه اسم الرئيس لم يفلح فى أن ينال حظا مماثلا فى أن يكون رئيسا أو صاحب مركز مرموق، انتهى من بكالوريوس العلوم ولم يجد عملا جيدا فجاء إلى «شرم الشيخ» ليعمل كنادل فى أحد البارات.
فى وقت المطر كان يحاول أن يساعد زبائنه أولا فى الخروج لأنهم رأسماله، ارتفع الماء إلى جذعه، لم يكن يمتلك أى مظلة تحميه من هذا المطر والمياه المندفعة تجاهه، يذكر أن أحد السياح شكره على مجهوده، وبرغم أنه لم يمنحه بقشيشا فإنه شعر بالسعادة، يمر من أمامه رجل أجنبي ويسأل «محمد حسنى» عن الفريق الذى سيشجعه فيقول إنه «مانشستر يونايتد».
يبتسم فى سخرية لأن اسمه مماثل لاسم الرئيس فيقول «لو الحياة بتمشى بالأسماء كان زمانى لقيت شغل فى بلدنا ومجتش هنا لكن الفرق بين «محمد حسنى» اللى فى البار والرئيس «محمد حسنى» زى الفرق بين تعامل المحافظة مع السيل، تسيبنا احنا نقاوم وننقذ غيرنا وتشفط هى الميه من الطريق السريع اللى هيزوره الرئيس».
قطعت رحلة السيل بشكل عكسى، خرجت إلى وديانه وأماكن صرفه، فحصت شبكة الصرف المخصصة لذلك فى طريقنا إلى «شرم الشيخ»، حيث قال سكان «أبو صويرة» من قبل إن محافظة جنوب سيناء اهتمت بشرم الشيخ أكثر من مدينتهم الصغيرة، لأنها مدينة الرئيس والمؤتمرات.
فى الطريق إلى «شرم الشيخ» تبدو الصورة النمطية للمدينة بفعل أقوال سكان «أبوصويرة» و«رأس سدر» و«الطور»، نتخيل أثناء الرحلة أن سيارات شفط المياه أدت عملها فى الساعة التالية للسيل وأن المدينة أصبحت، كما كانت قبل السيل، وأن السياحة لم تتأثر فى تلك المدينة.
فى الطريق إلى «شرم الشيخ»، الذى يبعد عن «أبوصويرة» ٣٠٠ كيلو متر، تبددت تلك الأفكار الوردية، لأن السياحة لم تكن على ما يرام، القرى السياحية عانت من السيل وكذلك باعة البزارات الصغيرة والعمالة التى تركت موطنها الأصلى للبحث عن لقمة عمل، والأسوأ من ذلك أن السيل ضرب بالفعل الطريق السريع، وحال بيننا وبين مدينة «الرئيس».
فى الليلة الثانية بعد سيل «أبو صويرة»، ضرب السيل الطريق بين تلك القرية ومدينة «شرم الشيخ» وبالتحديد قبيل قرية «أبو زنيمة»، ورغم أن السيل كان متوسط القوة، إلا أن الأمن الذى قطع الطريق قبل السيل لم يتكون سوى من عسكرى وحيد يرتدى «آيس كاب» و«ترينج»، يوقف السيارات ويخبرهم بأمر السيل، ثم يترك الأمر لهم اختياريا لإكمال الطريق أو العودة.
تمر السيارة من كمين العسكرى الواحد وتجد أن مياه السيل قطعت الطريق بعرض ٣ كيلومترات، وأن ارتفاع المياه يتجاوز إطارات السيارات الملاكى، فى الاتجاه المقابل تتحرك سيارة نصف نقل وتنجرف قليلا بفعل السيل، لكنها تعاود المضى فى طريقها، نسأل سائقها عن وجود أكمنة فى الجهة المقابلة فيجيب سائقها بالنفى، وبعبورنا للطريق يتبين أنه بلا مصدات خرسانية على جانبيه، برغم معرفة المحافظة بأن هذه المنطقة وادٍ لصرف السيل.
فى صباح اليوم التالى نعود إلى نفس المنطقة لنتفقد الوادى الذى تحولت تربته إلى طينة شديدة الوعورة، أسفل الطريق السريع يوجد ماسورتان لصرف السيل، يتسع قطر كل منهما متر ونصف المتر ولا تتناسبان مع كمية السيل المندفعة عبر الوادى.
ويمكن اكتشاف ذلك بسهولة من النظر إلى اتساع الوادى مقارنة باتساعهما، هنا ليلة أمس تعطل عدد من السيارات، بعد أن ارتفع السيل على الطريق فى أواخر ساعات الليل لمسافة ٤ أمتار تقريبا ـ على حد وصف شهود العيان ـ وبداخل أحد الماسورتين الممتدتين أسفل الطريق السريع، تظهر الكثير من الشوائب التى انجرفت بفعل السيل، فسدت أجزاءه.
ويتدلى سلك كهربى لم يتضح مصدره، وتتحرك بعض الزواحف التى تقترب فى شكلها من السحالى.
فى شرم لم يظهر الوضع كما يحكيه أبناء «أبو صويرة»، يصفونها بأنها «مدينة الريس»، تظهر بعض آثار المياه فى الشوارع الرئيسية، وعربات شفط المياه لاتزال تؤدى أعمالها، وبعيدا عن الشوارع الرئيسية يظهر الوجه الحقيقى لما فعله السيل بشرم الشيخ، يقول أشرف سليمان، مدير إحدى القرى السياحية: «غالبا ما يهتم الإعلام بأضرار السيل على القرى، لكنهم لا ينظرون إلى حجم الخسائر الاقتصادية التى يسببها السيل للسياحة فى مصر،
وما حدث فعليا فى شرم لم يكن اندفاع سيل بقدر ما كانت أمطار كثيفة، فيوم الأمطار حدثنى أحد الأصدقاء أن أتخذ احتياطاتى لأنه قرأ على الإنترنت عن وجود أمطار كثيفة جدا، أى أن الأمر لم يكن فجائياً، وبرغم ذلك لم تنبهنا المحافظة ولم تتعامل مع الأمر بشكل استباقى، عانت القرى السياحية هنا من غرق الشوارع وانسداد الصرف وانقطاع الكهرباء لمدة يوم تقريبا، برغم أن أحدا من المسؤولين لو نبه القرى السياحية لاستعدت بمولدات كهرباء وقامت بشراء جاز لازم لتلك المولدات، إلى جانب أن انقطاع الكهرباء يؤدى إلى انقطاع المياه بالتبعية»
ويصف سليمان وضع السياح فى تلك الساعات فيقول: «السياح تعاملوا مع انقطاع الكهرباء بشىء من التقبل فى ساعات الليل الأولى، لكن بظهور ضوء الشمس بدأوا فى الامتعاض، لأن الأمر أخذ وقتاً أكثر من اللازم، وأذكر أننى كنت فى إندونسيا منذ عدة سنوات وحدث أمر مماثل وكانت الأمطار أشد لكن المدينة هناك مصممة لاستيعاب السيول والأمطار، على عكس شرم الشيخ التى تبدو مبهرة فقط فى فنادقها ولكنها لا تمتلك بنية أساسية تحتمل ذلك».
فى خليج نعمة بدأ الأمر أسوأ بسبب الطبيعة الجغرافية وانخفاض الأرض مقارنة بباقى مدينة شرم الشيخ، واعتماد عدد كبير من العمالة الموسمية عليه كمصدر للرزق، أمام أحد مداخل الشواطئ يجلس محمد إسماعيل يقرأ فى سورة الأنفال، محمد قدم من بلدته فى القليوبية لأكل العيش، عايش ساعات السيل الأولى.
وقال: «فضلت زى ما أنا بقرا القرآن، لكن الفرق إنى قعدت أدعى، دعيت ربنا كتير إنه يتوب علينا من «شرم الشيخ»، لأنها جهنم على الأرض، أصل أنا أساسا جاى هنا مضطر عشان أكوِّن حاجة أعرف أتجوز بيها». أمام محل الإكسسوارات يقف وائل جمعة، القادم من أحد قرى الصعيد، يعيد رص اكسسواراته فى الفاترينة، يقول دون أن نسأله: «على فكرة أنا كمان حضرت السيل، لأنى شغال فى المحل ده الصبح وببات فيه بليل، ولأن منسوب المحل منخفض، فالمياه وصلت فيه إلى ركبتى، وقعدت يوماً كاملاً أكسحها من المحل، يوميها ملقتش مكان أبات فيه، لأن أغلب أسقف الكافيهات خشب وقش،
وبالتالى وقعوا مع أول نص ساعة من المطر والسيل، يوميها قضيت ليلتى فوق سطح أحد المطاعم، كان فيه أوضة صيانة فوق المطعم وقضيت ليلتى فيها أنا وناس كتير». محمد عبدالمجيد، مدير أحد الفنادق فى خليج نعمة، يرى أن العيب ليس فى السيل، يقول: «ما هو مش معقول بلد الريس تغرق كلها لما ماسورة تتسد، البلد دى مفيهاش صرف صحى، لو ماسورة حصل فيها حاجة فى أول الممشى، خليج نعمة كل بيتقفل، السياح بقوا يصوروا الحاجات دى أكتر ما يصوروا نفسهم فى البلد».
أمام دكانه يمسك فرج صابر شديد، القادم من سوهاج، بقطع قرميد كبيرة يقوم بوضعها على الأرض ويبدأ فى وضع بضاعته عليها، المياه أتلفت أجولة الشطة والكركدية والمرمية، يقول إنه ظل يكسح الماء بنفسه ويكمل: «أصل محدش فى البلد بيهتم بأبعد من الشارع الرئيسى».
وائل جمال، بائع الجرائد، يتحرك بطول المشاية ويحاول أن يبيع جرائده بأعلى من سعرها الأصلى للسياح، ينادى بالعربية والانجليزية والفرنسية، ينجح أحيانا ويفشل أحيانا أخرى، عندما ينتهى من عمله يعود إلى حى النور، حيث يعيش كل العمال، فى يوم السيل واليوم التالى لم يستطع بيع جرائد بـ ١٠ جنيهات لسببين: أولهما هو المياه التى وصلت إلى كعبى قدمه، أما الثانى هو تأخر الجرائد يومها، لأن الطريق السريع تم إغلاقه بفعل السيل، يقول: «أنا أساسا كل يوم ببقى مستنى أبيع ٧ أو ٨ نسخ من الجرايد والمجلات، سياح الشاطئ مبيقروش، ما بالك بقى والسياح منزلوش بسبب المية، ولما ينزلوا الجرايد توصلنى متأخرة ساعات».
فوق أعلى قمة بهضبة يعبر مروان محمد، طالب فى الصف الرابع الابتدائى وأصدقاؤه، سوراً شائكاً ليشاهدوا منظر المدينة التى يعشقونها، مروان عاصر السيل، سأل والدته عن البرق والرعد ولم يدرك سبب حدوثهما، حتى المدرسة التى يتردد عليها فى المدينة لم تجبه عن سؤاله، ويقول: «أصل أنا تانى يوم كان عندى امتحان، صحيح المدرسة كانت غرقانة والدكك كانت مبلولة شوية، لكن مش مهم، المهم إنى بعد المدرسة باجى أتفرج على البلد من فوق، أصلها من فوق الهضبة حلوة.
«شرم الشيخ» ليست المدينة الوحيدة التى تأثرت بالسيل، فـ«دهب»، التى تبعد عن «شرم الشيخ» ساعتين تقريبا، تأثرت أيضا، ضربتها الأمطار فى نفس الوقت الذى ضربت فيه «شرم الشيخ».
الشيخ فرج موسى من قبيلة المزينة وشهرته العفيطى أحد مشايخ مدينة «دهب»، تمت تسميته «العفيطى»، لأنه اشتهر بحلاوة الصوت هو وجده، يقول: «الأمطار دى مجتش دهب من سنة ٧٩، أصل المثل البدوى بيقول (فى ناس انطوح وفى ناس فلوح)، والمحافظ الجديد ينطبق عليه المثل ده، والمثل ده معناه إن فيه ناس وشها وحش وناس وشها حلو»، يصمت لثوان ثم يستدرك: «بس المحافظ أكيد وشه حلو، لأن المطر معناه خير».
ويكمل «فيه أكتر من ٧ فنادق فى مجرى السيل، أصل دهب فيها واديان يعتبران مجريين للسيل، هما وادى نبق ووادى مصبط، وأغلب الفنادق اللى بنت فى مجرى السيل فنادق عالمية ومهددة بالغرق زى ما حصل من عشرين سنة مع أحد الفنادق، لكن العرب ملهمش فنادق أو منتجعات فى مجرى السيل»، ويعلل ذلك قائلا: «العربى بيبقى عارف مجرى السيل، عمره ما يشترى من المحافظة أرض فى مجرى السيل زى ما بتعمل مع المستثمرين الكبار».أما محمد سالم، رئيس محميات سيناء.
فيقول: «كان هناك مشروع مشترك بين الحكومة المصرية والاتحاد الأوروبى لتغيير وترويض مجرى السيل فى دهب، ورغم أنه ممول من الاتحاد الأوروبى إلا أن المشروع توقف، لأن الخط الهندسى للمشروع كان يمر ببعض القرى السياحية والفنادق التى قدمت اعتراضات للاتحاد الأوروبى والحكومة، لأنها لم توافق على نزع ملكيتها، فتوقف المشروع وبقى وضع المنشآت السياحية على ما هو عليه». يبقى الوضع على ما هو عليه فى دهب وشرم الشيخ، بينما نتجه صعودا حيث توجد أعلى قمم جنوب سيناء للبحث عن مصدر السيول، النقطة الأولى التى تبدأ منها رحلة الفرق للملايين
وجوه فى مواجهة السيل
يبتسم وهو يمسك طباشورة ملونة، يرحب بالسياح ويدعوهم لتناول مشروب داخل البار الذى يعمل فيه فى خليج نعمة، والذى ينخفض عن الأرض نحو ٤ أمتار.
يكتب على السبورة السوداء مواعيد مباريات الدورى الأوروبى ليشجع السياح على مشاهدتها.
«محمد حسنى» الذى يشابه اسمه اسم الرئيس لم يفلح فى أن ينال حظا مماثلا فى أن يكون رئيسا أو صاحب مركز مرموق، انتهى من بكالوريوس العلوم ولم يجد عملا جيدا فجاء إلى «شرم الشيخ» ليعمل كنادل فى أحد البارات.
فى وقت المطر كان يحاول أن يساعد زبائنه أولا فى الخروج لأنهم رأسماله، ارتفع الماء إلى جذعه، لم يكن يمتلك أى مظلة تحميه من هذا المطر والمياه المندفعة تجاهه، يذكر أن أحد السياح شكره على مجهوده، وبرغم أنه لم يمنحه بقشيشا فإنه شعر بالسعادة، يمر من أمامه رجل أجنبي ويسأل «محمد حسنى» عن الفريق الذى سيشجعه فيقول إنه «مانشستر يونايتد».
يبتسم فى سخرية لأن اسمه مماثل لاسم الرئيس فيقول «لو الحياة بتمشى بالأسماء كان زمانى لقيت شغل فى بلدنا ومجتش هنا لكن الفرق بين «محمد حسنى» اللى فى البار والرئيس «محمد حسنى» زى الفرق بين تعامل المحافظة مع السيل، تسيبنا احنا نقاوم وننقذ غيرنا وتشفط هى الميه من الطريق السريع اللى هيزوره الرئيس».
المصري اليوم
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق