الأحد، 8 نوفمبر 2009

الميجور نضال وقصة الانتقام من أوباما


ما أن وقع الهجوم الذي نفذه الميجور نضال مالك حسن في قاعدة فورد هود التابعة للجيش الأمريكي في تكساس ، إلا وسارع كثيرون للتحذير من تداعيات هذا الحادث على مسلمي أمريكا ، إلا أن النقطة الجوهرية التي لم يتطرق لها البعض هى أن أمريكا تحصد حاليا ما زرعته والمقصود هنا الحرب على ما يسمى بالإرهاب ، فتلك الحرب والتي استهدفت العرب والمسلمين لم تحقق لواشنطن الأمن المنشود بل إنها فجرت واقعا مؤلما ليس في العراق وأفغانستان فقط وإنما داخل أمريكا نفسها ، فالخطر بات من الداخل وليس من الخارج ، وهذا ما تأكد بالفعل في عدة أمور قبل هجوم فورد هود .



ففي 3 أكتوبر / تشرين الأول ، حذرت صحيفة "وول ستريت جورنال" الأمريكية من أن إرسال قوات إضافية إلى أفغانستان سيكون له تأثيراً سلبياً على وضع الجنود النفسي مما قد يؤدي بدوره إلى زيادة حالات الانتحار بين أفراد القوات الأمريكية .



ونقلت الصحيفة عن مسئولين أمريكيين قولهم إن أفراد القوات البرية الأمريكية الذين انتحروا في أكتوبر/تشرين الأول بلغ 16 شخصا ، كما انتحر خلال 10 أشهر من السنة الجارية 140 فردا من القوات المسلحة الأمريكية.وأشارت الصحيفة إلى أن حالات الانتحار بين أفراد القوات البرية الأمريكية زادت خلال الفترة من عام 2006 وحتى الآن بنسبة 37%.وتابعت أن مستوى حالات الانتحار في الجيش الأمريكي تجاوز في عام 2008 مثيله في حرب فيتنام ، محذرة من أن الوضع قد يتفاقم في حال قرر أوباما زيادة عدد القوات الأمريكية في أفغانستان.وبعد مرور شهر على نشر تلك الإحصائيات ، تحقق ما حذرت منه "وول ستريت جورنال" ، فالهجوم الذي قام به الميجور نضال حسن مالك لم يكن فقط بسبب تعرضه للتمييز على خلفية دينه الإسلامي لأن هذا الموضوع بات أمرا معتادا لمسلمي أمريكا منذ أحداث 11 سبتمبر كما أنه قضى 20 عاما من الخدمة في الجيش الأمريكي ولم يقدم من قبل على هذا التصرف ، وهو ما يؤكد أن للأمر أبعاد أخرى ويبدو أنها لا تخرج عن حرب أفغانستان .فالميجور نضال كان يعمل في الجيش الأمريكي كطبيب نفسي وعالج المئات من الجنود العائدين من القتال في أفغانستان والعراق وسمع منهم حكايات كثيرة عن المآسي التي تحدث هناك ، هذا بجانب الهجمات الدامية التي يتعرض لها الجنود الأمريكيون بشكل شبه يومي .الأمورالسابقة جعلت الميجور نضال يشعر بخيبة أمل فيما يتعلق بالعمليات العسكرية الأمريكية في العراق وأفغانستان ، وما أن أعلن أوباما عن اعتزامه إرسال قوات إضافية لأفغانستان وجاء اسم نضال ضمن تلك القوات الإضافية ، إلا وشعر الميجور المسلم بغضب شديد وحاول الاستقالة من الجيش إلا أن طلبه قبول بالرفض ، وبالنظر إلى أنه كان من المقرر أن يحسم أوباما قراره حول حجم القوات الإضافية التي سيتم إرسالها لأفغانستان يوم الخميس الموافق 5 نوفمبر ، فقد سارع الميجور نضال للتعبير عن رفضه لهذا الأمر بطريقته الخاصة .
تصاعد الخسائر الأمريكية بأفغانستان والعراقويبدو أن صحيفة "واشنطن بوست " الأمريكية تتفق مع الفرضية السابقة ، فهى أكدت أن الميجور نضال أبعد ما يكون عما أسمته التطرف إلا أن قيامه بالهجوم كان بسبب نقله للخدمة في أفغانستان ، وفي السياق ذاته ، ذكرت صحيفة "نيويورك تايمز" أن نضال الطبيب النفسي الذي يعمل في الجيش الأمريكي والذي سمع العديد من قصص الحرب المروعة كان خائفا من إرساله إلى أفغانستان ، كما أكد نادر حسن وهو ابن عم نضال لقناة "فوكس نيوز" الأمريكية أن قرار نقل الميجور إلى أرض المعركة في أفغانستان كان يمثل كابوسا بالنسبة لابن عمه .
التصريحات السابقة تؤكد أن الأسوأ مازال بانتظار أوباما في حال أصر على مواصلة الحرب على ما يسمى بالإرهاب وخاصة في أفغانستان ، فما قام به الميجور نضال يبدو أنه لن يكون الحادث الأخير من نوعه في ضوء تصاعد الخسائر في صفوف القوات الأمريكية بأفغانستان وما يصاحبها من تدهور الحالة النفسية للجنود الأمريكيين وتزايد معدلات الانتحار .
ويبقى الأمر الأخطر وهو أن استمرار مثل تلك الحرب يهدد بانهيار أمريكا من الداخل ، ففي 12 أكتوبر/ تشرين الأول ، كشفت تقارير صحفية أمريكية أن جماعات ناشطة في الولايات المتحدة صعدت في الفترة الأخيرة من دعواتها لانفصال عشر ولايات على الأقل ، بينها تكساس وفيرمونت وهاواى وألاسكا ، عن الدولة الفيدرالية .
وعزت التقارير السابقة أسباب تصاعد دعوات الانفصال إلى الأزمة الاقتصادية التى تعصف بالبلاد ، بجانب الضيق من دفع الضرائب التى تمول حربين بعيدتين هما العراق وأفغانستان ، وأخيرا لوجود خطط إنعاش لا يرون لها أي انعكاسات إيجابية ملموسة ، ولذا بدأت هذه الجماعات في دعوة الولايات التي تنتمي إليها لإبطال القوانين الفيدرالية والانفصال.ولعل إلقاء نظرة على أسماء المؤيدين لهذه الفكرة ، يؤكد مدى الخطر الذي يواجه أمريكا في الوقت الراهن ، فقد أكد ريك بيرى حاكم تكساس أنه يؤيد الانفصال .وفي السياق ذاته ، قال توماس نايلور، الخبير الاقتصادي الأمريكي وأحد أبرز دعاة الانفصال : "إن الدولة الفيدرالية فقدت سلطتها المعنوية وحكومتنا تخضع لأوامر وول ستريت".كما أكد كيركباتريك سايل من معهد ميدلبيرى الذى يدرس حركة الانفصال وتقرير المصير أنه يجري الحديث اليوم عن إبطال قوانين فيدرالية على مستوى الولايات والانفصال ، كما جرى الحديث عام 1865.ومن جانبه ، قال ديف موندى المتحدث باسم الحركة القومية فى تكساس :" إن الانفصال هو ردنا الوحيد ، لأن الدولة الفيدرالية متفتتة ، ولم يعد ممكنا إصلاحها مع طريقة عمل النظام السياسى الحالى".ويبدو أن الأمر لم يعد يقتصر على ترويج الفكرة وإنما يتم أيضا ترجمته على أرض الواقع ، فعلى سبيل المثال ، رفضت نصف الولايات الأمريكية تطبيق معايير فيدرالية جديدة لبطاقات الهوية ، كما اعتبرت ولايتا تينيسى ومونتانا أنهما غير ملزمتين بتطبيق القوانين الفيدرالية الخاصة بصنع الأسلحة والذخيرة.التطورات السابقة تعتبر الأخطر من نوعها لأنها تعيد للأذهان انهيار الاتحاد السوفيتي السابق في أعقاب حرب فاشلة بأفغانستان ، وبالتالي فإن تكرار أخطاء الماضي قد يكلف أمريكا كثيرا ، والميجور نضال ما هو إلا مجرد تحذير في هذا الشأن .هجوم فورت هودالميجور نضالوكان الميجور نضال مالك حسن الذي يعمل طبيبا نفسيا في الجيش الأمريكي قام في 5 نوفمبر بإطلاق النار من مسدسين على الجنود في مستشفى بقاعدة فورت هود العسكرية بتكساس قبل أن يتمكن حراس المستشفى من إصابته.ويرقد نضال حاليا في المستشفى تحت الحراسة المشددة ويتنفس عبر جهاز تنفس اصطناعي ، وقال الجيش الأمريكي في بيان له إن الحادث أسفر عن مقتل 13 جنديا أمريكيا وإصابة 30 آخرين .ونضال مالك حسن يبلغ من العمر 39 عاما وهو من أصل فلسطيني من منطقة تقع بالقرب من مدينة القدس ، والتحق بالجيش الأمريكي بعد إنهاء دراسته الثانوية وأرسله الجيش إلى الكلية الطبية حيث تابع دراسته وتخصص في مجال الطب النفسي وقد عالج جنودا أمريكيين خدموا في كل من العراق وأفغانستان ، كما عرف عنه أنه مسلم ورع يحضر الصلوات اليومية في المسجد وشوهد صباح يوم الحادث يرتدي الملابس العربية التقليدية بينما كان يشترى البقالة.وفور الإعلان عن الهجوم ، تساءل البعض عن مستقبل مسلمي أمريكا بصفة عامة والمسلمين في الجيش الأمريكي بصفة عامة .ورغم أن التوقعات رجحت تصاعد جرائم العنصرية ضد الجالية المسلمة على خلفية الحادث ، إلا أن خدمة المسلمين بالجيش يبدو أنها لن تتأثر كثيرا في ضوء عدة حقائق أن القوات المسلحة الأمريكية المكونة من 1.4 مليون شخص بينهم حوالي 20 ألف مسلم لا تسأل المتقدمين للخدمة فيها عن معتقداتهم الدينية.كما أن واشنطن ترغب بشدة في ضم أعداد كبيرة من أفراد الجاليات العربية والمسلمة للقوات المسلحة الأمريكية ، حيث ينظر إلى مزيد من الجنود الأمريكيين المسلمين على أنهم يمثلون جزءا حيويا في حروب أمريكا بالعراق وأفغانستان في مسعى من واشنطن لكسب شعوب البلدين .ويقول اللفتنانت كولونيل ناتان بانكس الناطق باسم البنتاجون في هذا الصدد :" إن الجنود المسلمين يمثلون رصيدا كبيرا للجيش الأمريكي ، إنهم يعملون على تسهيل نشر الكثير من قواتنا ، المسلمون الأمريكيون في الجيش يعملون جنبا إلى جنب مع المسلمين من السكان المحليين ونحن نرحب بذلك".واستبعد في تصريحات لهيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي" زيادة التوتر داخل صفوف الجيش الأمريكي بسبب ما قام به الميجور نضال في قاعدة فورت هود ، قائلا :" كانت تلك حادثة معزولة ، الجيش سيبقى قويا ، لدينا قوات مسلحة متنوعة ، وأيا كانت ديانة الجنود فلديهم دور يؤدونه وهم يؤدونه جيدا".الرئيس الأمريكي باراك أوباما لم يختلف هو الآخر عما ذهب إليه اللفتنانت كولونيل ناتان بانكس عندما قال :" صحيح أن ما جرى في فورت هود هو أفظع وأسوأ ما جرى في تاريخ القواعد العسكرية الأمريكية ، إلا أن هذا الحادث لن يؤثر على التنوع الذي يتميز به الجيش الأمريكي ، القوات المسلحة مؤلفة من كل الأعراق والديانات من مسيحيين ومسلمين ويهود وهندوسيين وملحدين ، جميعهم من أصول مهاجرة لكنهم يظهرون التنوع الذي يجعل من الولايات المتحدة ما هى عليه اليوم".كامران ميمون من منظمة "المسلمون من أجل أمريكا آمنة" أكد هو الآخر أن الحادث وإن كان أعاد الجدل بين مسلمي أمريكا حول الخدمة بالجيش الأمريكي ، إلا أن الغالبية العظمى منهم قادرون على العيش حياة سلمية والدليل على ذلك أنه رغم النظرة العدائية بعد اعتداءات 11 سبتمبر/ ايلول 2001 ، إلا أن عدد المسلمين يتزايد باستمرار في أمريكا .وتابع " هذا يمكن أن يكون صحيحا أيضا في حالة أولئك المسلمين الذين يخدمون في القوات المسلحة الأمريكية ، هناك من ناحية من يقولون إننا لا يجب أن يكون لنا شأن بالقوات المسلحة الأمريكية المتورطة في حروب مع إخواننا المسلمين في الخارج ، وهناك من ناحية أخرى من يقولون إننا يجب أن نخدم في الجيش وندافع عن بلادنا ضد كل من يرغبون في شن الهجوم عليها ، حسم الأمر ليس سهلا، ونحن نحاول أن نشجع المسلمين الأمريكيين لمعرفة المزيد عن هذه الأمور، واستخدام مهاراتهم في التفكير النقدي للتوصل إلى استنتاجات عن علم ، بحيث يمكننا أن نشارك بدرجة أكبر في النقاش حول قضايا الأمن القومي".والخلاصة أن الهجوم الذي نفذه الميجور نضال لن يؤثر كثيرا على خدمة المسلمين بالجيش الأمريكي وهذا يرجع لحقيقة بسيطة وهى اعتقاد أمريكا أن وجودهم لاغنى عنه للتقليل من خسائرها في الحرب بأفغانستان والعراق .

محيط - جيهان مصطفى



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق