الأربعاء، 20 يناير 2010

غضب الطبيعة‏ .. سيول في سيناء و البحر الأحمر و أسوان‏


لم تكن السيول‏,‏ والأمطار الرعدية الغزيرة‏,‏ التي تعرضت لها بعض المحافظات مفأجاة‏..‏ فقد توقعتها هيئة الأرصاد الجوية قبل‏48‏ ساعة من حدوثها‏, وتنبأت باستمرارها لمدة‏72‏ ساعة.

وكانت الهيئة قد ارسلت الى المحافظات تقارير وبيانات تهيب فيها بالمسئولين اتخاذ كافة الاحتياطات لتجنب الآثار التي قد تنجم عن هذه الظواهر الجوية‏...‏لكن الذي لم يكن متوقعا‏,‏ هو حال الارتباك‏,‏ واللامبالاة تجاه تحذيرات هيئة الأرصاد‏,‏ والتي أسفرت عنها السيول‏,‏ والأمطار الرعدية في شمال سيناء‏,‏ وشرم الشيخ‏,‏ والبحر الأحمر‏,‏ وأسوان‏,‏ ومنها مصرع العديد من الاشخاص وانهيار مئات المنازل وسقوط العشرات من ابراج الكهرباء‏,‏ مما أدي إلي انقطاع التيار الكهربائي عن العديد من المدن‏,‏ وشل حركة من المرور علي الطرق الرئيسية‏,‏ وتوقف الحركة الجوية والملاحية في عدد من الموانيء والمطارات‏,‏ فضلا عن انقطاع التيار الكهربائي‏,‏ والاتصالات التليفونية عن العديد من المرافق الحيوية‏।‏هذه هي النتيجة الحتمية للسيول ـ والتي يراها الدكتور حسين زهدي رئيس هيئة الأرصاد الجوية الأسبق ـ ظاهرة تحدث بشكل متكرر فوق إفريقيا‏,‏ وقد كنت أول من اكتشفها علي مستوي العالم‏,‏ وألقيت في ذلك محاضرة في اجتماع سبق ان دعتني إليه وكالة الفضاء الأوروبية في سويسرا عام‏1991‏ م‏,‏ والسيول تحدث بسبب التفاعل المزدوج وهو عبارة عن هواء بارد موجود في طبقات الجو العليا‏,‏ ويتحرك ناحية القطب الشمالي باتجاه المناطق المدارية‏(‏ وسط إفريقيا‏)‏ ويحدث ذلك في سيناريو خاص‏॥‏ ويتفاعل هذا الهواء البارد مع الهواء الساخن الموجود في المنطقة المدارية من خط الاستواء ويمتد حتي خط عرض‏20‏ شمالا ويصل الي جنوب الخرطوم‏,‏ ويحدث التفاعل وتتكون سحب شديدة‏,‏ كما يتكون تيار نفاث يتحرك من الجنوب إلي الشمال‏,‏ فيقطر معه الهواء من هذه المنطقة إلي الشمال‏,‏ مكونا سحبا كثيفة تمتد حتي منطقة الشرق الأوسط‏,‏ وعندما تقابل هذه السحب الكثيقة مناطق جبلية مثل سلاسل جبال البحر الأحمر‏,‏ وجبال جنوب سيناء تحدث لها حالة من عدم الاستقرار الشديد فيزداد سمكها ونموها الرأسي‏,‏ويسقط منها أمطار غزيرة رعدية في معظم الأحيان‏,‏ مما يؤدي إلي حدوث سيول فوق هذه المناطق الجبلية وتندفع المياه إلي السهول القريبة من هذه المناطق وتسبب كوارث وأضرارا كبيرة‏...‏لكن المفاجأة ـ كما يقول الدكتور حسين زهدي ـ تكمن في حدوث هذه السيول في فصل الشتاء‏,‏ لأن الفرص مهيأة أكثر لحدوثها في فترة الخريف‏,‏ لاسيما ان الخريف يأتي بعد الصيف‏,‏ وتكون الأرض ساخنة‏,‏ وبالتالي فإن دخول هواء بارد علي منطقة جبلية ساخنة يسبب حالة من عدم الاستقرار‏,‏ تتكون معها السحب الكثيفة‏,‏ والأمطار الغزيرة فوق المناطق الجبلية‏,‏ حيث تتجمع مياه الأمطارعلي قمم الجبال‏,‏ فتكتسح أمامها كل ما يعترض طريقها من أحجار‏.‏ ومهما أوتي البشر من علم‏,‏ وإمكانات مادية‏,‏ فإن غضب الطبيعة أمر لايمكن السيطرة عليه‏,‏ وإلا كانت الولايات المتحدة الأمريكية ـ بعلمها وإمكاناتها‏,‏ تمكنت من منع الأعاصير التي تدمر المباني والمنشآت‏,‏ وتقتل البشر بين الحين والآخر‏,‏ أو تمكنت دول أخري من التصدي للزلازل‏,‏ لكن كل ما في أيدينا كخبراء في الأرصاد الجوية هو التنبؤ‏,‏ والتحذير‏,‏ من أجل اتخاذ كافة التدابير‏,‏ والاحتياطات اللازمة لإبعاد المواطنين عن المناطق الخطيرة والمهددة بالسيول لحمايتهم من مخاطرها‏.‏السيول‏.‏ ظاهرة طبيعيةيوافقة في الرأي الدكتور محمد محمود عيسي وكيل الوزارة لبحوث الأرصاد الجوية والمناخ بهيئة الأرصاد الجوية‏,‏ فهو يري أن ماحدث من سيول وأمطار رعدية يمثل ظاهرة طبيعية‏,‏ فنوة الغطاس تتسبب في حدوث الأمطار بصورة عادية‏,,‏ بينما تزيد كميات الأمطار المتساقطة كل‏13‏ عاما‏,‏ مما يؤدي إلي حدوث السيول‏.‏ويفسر الدكتور محمد محمود عيسي ماتعرضت له بعض المناطق في محافظات مصر من سيول‏,‏ وأمطار رعدية‏,‏ بتحطم أحد السدود في منطقة فلسطين المحتلة‏,‏ نتيجة عدم قدرته علي تحمل تدفق المياه مما أدي إلي وصول المياه المتدفقة بقوة علي مناطق كثيرة منها العريش‏,‏ وبعض المناطق في شمال سيناء‏,‏ وشرم الشيخ‏,‏ وبعض المناطق في الجنوب‏,‏ وهذه السيول ليس لها علاقة بظاهرة الاحتباس الحراري‏,‏ لأنها تحدث علي فترات عديدة‏.‏ ومن ناحية الأرصاد‏,‏ فإن السيول قد نجمت في الأساس عن وجود منخفض جوي علي السطح من السودان مما تسبب في تسخين الهواء القريب من سطح الأرض‏,‏ وتشبعه ببخار الماء‏,‏ نظرا لمروره علي البحر يقابلة منخفض آخر‏.‏بهواء بارد قادم من أوروبا‏,‏ مما أدي إلي عدم استقرار في تلك المناطق التي يلتقي فيها المنخقضان العلوي والسفلي‏,‏ وحدوث هذه الظاهرة في هذا التوقيت ليس جديدا‏.‏السلوكيات العشوائية للمواطنينوفي كل الأحوال‏,‏ يتم إجراء دراسات‏,‏ وتقوم الدولة ببناء السدود‏,‏ ومخرات السيول‏,‏ لكن التصرفات العشوائية من جانب المواطنين الذين يقومون ببناء المنازل فوق المخرات‏,‏ تجعلهم أكثر عرضة للخطر من غيرهم‏..‏ فتنهار منازلهم‏,‏ وفي بعض المناطق تغرق السيارات‏,‏ وتتساقط أعمدة الكهرباء‏,‏ وتتوقف حركة الحياة نسبيا لتراكم المياه في الشوارع‏,‏ ولاشك ان الاحتياطات‏,‏ والاستعدادات لاتواجه هذه المخاطر‏,‏ ولا تمنع حدوثها‏,‏ وإنما يمكن التقليل والتخفيف من حدتها‏,‏ وآثارها التي قد تكون مدمرة في بعض الأحيان‏.‏سألته‏:‏ هل تعتقد أن هناك استعدادات كافية في مصر للحد من مثل هذه المخاطر؟ـ يجيب‏:‏ لاشك أن هناك استعدادات‏,‏ فلدينا ـ مثلا ـ شبكة سدود علي الوديان في منطقة جبال البحر الأحمر‏,‏ وفي منطقة سيناء‏,‏ وهضبة السلوم‏,‏ وهناك دراسات يتم إجراؤها بين الحين والآخر علي المناطق التي قد تكون عرضة لمثل هذه المخاطر‏,‏ فالدولة تبذل العديد من الجهود‏,‏ لكن هناك أشياء قد تحدث بشكل مفاجيء‏..‏ والسدود المصرية تقاوم‏,‏ لكن هناك مخاوف علي العديد من المناطق حول القاهرة‏,‏ خاصة تلك المحاطة بالجبال مثل حلوان‏,‏ والمقطم‏,‏ و‏6‏ أكتوبر‏,‏ من التعرض لمخاطر السيول‏,‏ صحيح أن حلوان بها مخرات للسيول لكنها تحتاج إلي متابعة دقيقة‏,‏ وصيانة مستمرة‏,‏ كما أن منطقة المقطم بها استعدادات لمواجهة السيول منذ ان كان الانجليز موجودين في مصر‏,‏ ولا أدري ماذا حدث فيها الآن‏.‏الصيانة الدورية للمخرات والسدودومن جانبنا‏,‏ كهيئة للأرصاد الجوية‏,‏ نصدر بيانات وإنذارات قبلها بنحو‏48‏ ساعة‏,‏ ونحذر من أمطار غزيرة‏,‏ ورعدية‏,‏ واحتمالات حدوث سيول‏,‏ ونرسل هذه التقارير بالفاكس‏,‏ وعبر البريد الالكتروني لمختلف المحافظات‏,‏ وقد أجرينا دراسات مناخية توقعنا فيها حدوث سيول في بعض المناطق من المحافظات‏,‏ عن طريق دراسة النوات‏,‏ والتي ترشدنا إلي إنه قد يحدث عدم استقرار خلال هذه الفترة‏,‏ فالنوة تحدث كل عام‏,‏ لكن مدي شدتها يختلف من سنة لأخري‏,‏ وبشكل عام فإن شدة النوات تزيد كل‏12‏ عاما‏,‏ وقد تأتي ضعيفة أو مصحوبة برياح‏,‏ وبرودة فقط‏.‏ لكننا يجب ان نكون جاهزين للنوات‏,‏ ومثل هذه التغيرات المناخية بالسدود‏,‏ والمخرات‏,‏ وأن نجري الصيانة الدورية لها لنكون في مأمن من مخاطرها‏.‏مخاوف علي حلوان والمقطم و‏6‏ أكتوبرماتعرضت له بعض المناطق في محافظات مصر من سيول وأمطار رعدية‏,‏ لم يكن مفاجئا‏..‏ هكذا قال لي علي قطب مدير عام التنبؤات في الهيئة العامة للأرصاد الجوية‏,‏ فقد توقعنا ما حدث منذ يوم السبت الماضي‏,‏ وابلغنا كل الجهات الرسمية‏,‏ والمحافظات وحذرنا من التعرض لطقس غير مستقر في مناطق عديدة من الجمهورية في سيناء‏.‏والبحر الأحمر‏,‏ وجنوب الصعيد‏,‏ والسواحل الشمالية‏,‏ ومدن القناة‏,‏ وقلنا أن هذه الموجة سوف تبدأ من الأحد‏,‏ وأن هذه الموجة سوف تنتهي تدريجيا خلال‏72‏ ساعة‏.‏ وبشكل عام‏,‏ فإن الموجات لاتثبت علي وتيرة واحدة‏,‏ فهي قد تبدأ قوية‏,‏ ثم تضعف‏,‏ ثم تنتهي‏,‏ وقد تقوي‏,‏ وتزداد حدتها حسب تغذية الهواء المصاحب لهذه لامنخفضات‏,‏ وحسب الطاقة الملازمة لها‏,‏ وبعد أن حذرنا وتنبأنا كان من الطبيعي أن تتخذ المحافظات الاستعدادات‏,‏ والاحتياطات اللازمة لتجنب الآثار التي قد تنجم عن حدوث مثل هذه الظواهر‏.‏وهذه السيول يمكن تجنب مخاطرها قدر الإمكان‏,‏ عن طريق المخرات‏,‏ والسدود‏,‏ ومن الطبيعي أن تكون هناك مخرات في منطقة سيناء‏,‏ وفي جنوب القاهرة‏,‏ ففي منطقة حلوان هناك سدود‏,‏ وترعة شهيرة تسمي ترعة السيل‏,‏ لكنها مردومة بالقمامة‏,‏ محذرا في الوقت نفسه من غياب الصيانة للسدود‏,‏ والمخرات‏,‏ لأنه في حالة حدوث سيول ـ لا قدر الله ـ فسوف تقع كارثة‏.‏الرصد المناخي بالقمر الصناعيومن ناحية التنبؤ بالتغيرات المناخية‏,‏ فلا توجد لدينا مشكلة في هيئة الأرصاد الجوية‏,‏ لاسيما أن لدينا محطة أقمار صناعية ترصد حركة السحب القادمة علي مصر‏,‏ والتي تحتوي علي أمطار‏,‏ وسحب رعدية‏,‏ فضلا عن متابعة كل التفاصيل المتعلقة بالغلاف الجوي‏,‏ فضلا عن وجود محطات للرصد الاتوماتيكي‏,‏ والعادي في مختلف المحافظات‏,‏ حيث يجري الرصد كل ساعة حركة الهواء علي سطح الأرض‏,‏ وفي طبقات الجو العليا وتزودنا ببيانات تفيد في إعطاء تنبؤات لمدة‏5‏ أيام قادمة بنسبة‏100%,‏ وتتراجع نسبة الدقة الي‏90%‏ في حالة التنبؤ لمدة اسبوع‏.‏طبيعي جدا ان تتوقع هيئة الأرصاد‏,‏ وأن تحذر مما حدث‏,‏ لكن غير الطبيعي هو أننا لم نكن جاهزين لمواجهة هذه الظواهر المناخية‏,‏ وقد تكون السيول‏,‏ والأمطار الرعدية الأخيرة بمثابة جرس إنذار‏,‏ لكي نستعد لمواجهة مخاطرها بالصيانة الدورية للسدود‏,‏ والمخرات‏,‏ قبل أن تقع كارثة في المستقبل ـ لا قدر الله‏!!‏
الاهرام

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق